باسم منير نوبي ممتاز
عدد الرسائل : 118 العمر : 34 الموقع : bassem_moner@yahoo.com تاريخ التسجيل : 14/04/2008
| موضوع: رمضان كريم(المسحراتى) الأربعاء أغسطس 27, 2008 4:30 pm | |
|
| | | |
المسحراتي ذلك الصوت الذي تعود أن يوقظ الناس من نومهم لتناول طعام السحور، وهو يردد أعذب وأجمل الدعوات والأغنيات. إنه من أصحاب المهن الرمضانية جدا، التي لا وجود لها في غيره من الشهور، وهو مازال يجوب الشوارع في منافسة غير متكافئة مع أجهزة الإعلام التي كادت تلغي دوره تماما، ولكنه تحايل عليها وانتقل بصوته الي الإذاعة والتليفزيون لتستمر هذه المهنة الرمضانية وإن اختلف شكلها. مهنة المسحراتي ارتبطت بهذا الشهر الكريم منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم «وكان بلال بن رباح رضي الله عنه أول مسحراتي في التاريخ الإسلامي حيث كان يجوب الشوارع والطرقات لإيقاظ الناس للسحور بصوته العذب طوال الليل وكان المصطفى صلى الله عليه وسلم » يقول«إن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتي ينادي ابن أم مكتوم وكان ابن أم مكتوم هو الذي يتولى أذان الفجر، ومنذ ذلك التاريخ أصبح المسحراتي مهنة رمضانية خالصة وقد اشتهر من أرباب هذه المهنة» الزمزني «في مكة الذي كان يصعد إلى المئذنة من فوقها معلنا بدء السحور، وفي كل مرة يكرر فيها النداء كان يدلي بقنديلين كبيرين معلقين في طرفي حبل يمسكه في يده حتى يشاهدهما من لايسمع النداء.
أما في مصر فكان أول من قام بمهمة إيقاظ الناس للسحور هو الوالي عنتبة بن اسحق سنة 832هـ، وكان يسير علي قدميه من مدينة العسكر في فسطاط مصر القديمة، وحتي مسجد عمرو بن العاص تطوعا وهو ينادي «عباد الله تسحروا» فإن في السحور بركة «ومنذ تلك الفترة أصبحت مهنة المسحراتي في مصر تلقى احتراما وتقديرا بعد أن قام بها الوالي بنفسه وتطورت الأشكال التي يؤدي بها المسحراتي عمله..
وفي العصر العباسي كان المسحراتي ينشد شعرا شعبيا يسمى «القوما» طوال ليالي رمضان وربما كان ذلك عائدا الي ازدهار فن الشعر في هذا العصر أما بداية ظهور الإيقاع أو الطبلة في يد المسحراتي فكانت في مصر حيث كان المسحراتي يجوب شوارع القاهرة وأزقتها وهو يحمل طبلة صغيرة ويدق عليها بقطعة من الجلد أو الخشب وغالبا ما كان يصاحبه طفل صغير أو طفلة ممسكة بمصباح لتضيء له الطريق وهو يردد نداءاته المميزة اصحى يا نايم وحد الدايم أو ينطق بالشهادتين بصوت أقرب الى التنغيم منه الى الحديث ثم يقول « أسعد الله لياليك يا فلان، ويذكر اسم صاحب المنزل الذي يقف أمامه وغالبا ما كان يعرف أسماء جميع الموجودين في المنزل من الرجال ويردد الدعاء لهم واحدا واحدا ولم يكن يذكر اسم النساء إلا إذا كان بالمنزل فتاة صغيرة لم تتزوج فيقول أسعد الله لياليك يا ست العرايس...
وكان من عادة النسوة في ذلك الوقت أن يضعن قطعة معدنية من النقود ملفوفة داخل ورقة ثم يشعلن أحد أطرافها ويلقين بها الى المسحراتي الذي يستدل على مكان وجودها ثم يرتفع صوته بالدعاء لأهل المنزل جميعا ثم يقرأ الفاتحة...
أما في مدينة الأسكندرية فكان المسحراتي يقوم بعملية تسحير الناس بالدق على الأبواب بعصاه دقات منظمة وهو يردد الأدعية أو التغني بمعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم وغزواته...
وفي العصر المملوكي كادت مهنة المسحراتي تختفي تماما لولا أن الظاهر بيبرس أعادها وعين أناساً مخصوصين من العامة وصغار علماء الدين للقيام بها ليتحول عمل المسحراتي إلى موكب محبب، وخاصة للأطفال الذين تجذبهم أغاني المسحراتي ويسعدون بصوته وطريقة أدائه على الطبلة وغالبا ما كان هؤلاء الأطفال يحملون الهبات والعطايا التي كان يرسلها الأهل إلى من يقوم بعملية التسحير.
وقد شاركت النساء في عملية التسحير، ففي العصر الطولوني كانت المرأة تقوم بإنشاد الأناشيد من وراء النافذة شريطة أن تكون من صاحبات الصوت الجميل وتكون معروفة لدي لجميع سكان الحي الذي تقطن فيه كما أن كل امرأة مستيقظة كانت تنادي علي جاراتها..
أما في الريف والقرى فكان «العمدة» هو الذي يتولى بنفسه مهمة إيقاظ أهلال قرية للسحور أو يتولى تقسيم شوارع القرية على عدد من المسحراتية ويبدأ كل منهم العمل ابتداء من ليلة رؤية هلال رمضان وحتى ليلة عيد الفطر وهي الليلة التي يبدأ فيها المسحراتي التردد على جميع المنازل ليس بهدف التسحير ولكن للحصول على أجره الذي غالبا ما يكون بعض المال أو كعك ولحوم العيد.
مسحراتي.. بنكهة عربية
ومن مصر انتشرت مهنة المسحراتي إلى الولايات الإسلامية الممتدة شرقا وغربا، ليتخذ "المسحراتي" أشكالا مختلفة في كل منها.. (1) فقد كان أهل الشام ذوي طقوس خاصة تحيط بالمسحراتي، حيث كان المسحراتية في الشام يطوفون على البيوت وهم يعزفون على العيدان والصفافير وينشدون الأغاني الخفيفة. (2) وفي عمان يوقظ المسحراتي النائمين على الطبلة أو بالناقوس وهو يقول "يا نائمين الليل قوموا تسحروا .. يا مسلمين السحور يا صائمين" ، (3) وفي الكويت يقوم المسحراتي الذي يسمى أبو طبيلة بالتسحير ومعه أولاده فيردد بعض الأدعية وهم يردون عليه. (4) وفي اليمن يقوم بالتسحير واحد من الأهالي بالحي حيث يدق بالعصا على باب البيت وهو ينادي على أهله قائما : قوموا كلوا، وفي السودان يطرق المسحراتي البيوت ومعه طفل صغير يحمل فانوسا ودفتر به أسماء أصحاب البيوت حيث ينادي عليهم بأسمائهم قائلا " يا عباد الله وحدوا الدايم ورمضان كريم ". (5) أما في السعودية فيوقظ المسحراتي النائمين بقوله " ربي قدرنا على الصيام واحفظ إيماننا بين القوم ، وفي المغرب العربي يقوم المسحراتي بدق الباب بعصاه ليوقظ النائمين ..
المسحراتي يتراجع
إلا أنه في السنوات الأخيرة أخذت ظاهرة "المسحراتي" في التراجع بسبب كثرة الوسائل العصرية التي تساعد الإنسان على الاستيقاظ دون الحاجة إلى تذكير، كما أن العادات قد تغيرت وانقلبت الموازين، فأصبحت مثل هذه العادات القديمة شيئاً تراثياً بالنسبة للكثيرين، وأخذوا يتسلون بالوسائل الحديثة كالمنبه والتليفون المحمول، وأصبح الكثير من الناس يسهرون حتى الفجر في مشاهدة البرامج والمسلسلات التلفزيونية أو السهرات المتنوعة عند الأصدقاء أو في أي مكان آخر مما أدى إلى انقراض هذه المهنة وغيرها من المهن التي ظلت صامدة لعشرات بل مئات السنين تحت رياح التغيير والعولمة.
ولكن لا يزال المسحراتي موجودا في القرية، ووظيفته الأساسية ما زالت حتى الآن الإمساك بالطبلة أو الصفيحة والطرق عليها بالعصا والنداء على كل سكان الحي كل باسمه داعياً إياه للاستيقاظ، ولا يزال المسحراتي يحتفظ بزيه التقليدي أثناء التسحير وهو الجلباب، وقد يستخدم الدف بديلاً عن البازة.
مسحراتي..نيو لوك
وبينما تقتصر مهنة المسحراتي في معظم الدول العربية والإسلامية علي رجل واحد يقوم بهذه المهمة، إلا أن دولتي الكاميرون وتركيا تنفرد بظاهرتين فريدتين البطل فيهما المسحراتي ولكن مع بعض التغيرات.. (1) ففي الكاميرون لا تقتصر عملية التسحير على مسحراتي واحد فقط، ولكن يقوم بمهمة التسحير جماعة يتراوح عددها بين 10 و15 فردا حاملين الطبول الأفريقية الشهيرة لإيقاظ السكان المسلمين، حيث تمتاز العاصمة ياوندي بوجود عدد كبير من المسلمين بها، فيظهر المسحراتي في شوارعها خاصة في الأحياء المعروفة بأن أغلب سكانها من المسلمين، وتشير الإحصائيات أن عدد المسلمين في الكاميرون يتراوح من 40% إلى 55% من السكان و ينتشرون بكثافة في الريف الكاميروني. (2) أما في تركيا فإن الفتيات بدأن يكسرن احتكار الرجال لمهنة المسحراتي وأصبحن يشاركن فيها، فمنذ 3 سنوات ولأول مرة في تاريخ تركيا، قامت إحدى البلديات بمحافظة إنطاليا بتدريب خمس من الفتيات على عمل المسحراتي، لكي يقمن بالتجول في الشوارع في ليالي رمضان لدعوة الصائمين للسحور، حيث يتجولن سوياً وهن ممسكات بالطبلة ويتغنين بكلمات وأشعارًا مقتبسة من الأدب التركي .
وجذبت فكرة «المسحراتي» عددا كبيرا من الفنانين والشعراء أمثال بيرم التونسي وفؤاد حداد والفنان الراحل سيد مكاوي الذين نجحوا بالفعل في أن ينقلوا المسحراتي من الشارع الي شاشة التليفزيون وميكروفون الإذاعة ليستخدموا أحدث تقنيات الاتصال في تسحير الناس، ولكن مهنة المسحراتي نفسها أصبحت أشبه بالتراث أو الفلكلور الشعبي وإن كانت هناك بعض الأصوات المسحراتية مازالت تجوب شوارع الريف والأحياء الشعبية في إصرار كبير على المقاومة خاصة وأنها تجد من يتقبلها ويعتبرها من أهم المهن والمفردات الرمضانية المميزة للشهر الكريم.
| | | | | | |
|